غزة – مأساة متجددة تحت القصف

لا يزال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يواصل فصوله الدامية، حيث استيقظ القطاع المنكوب على ليلةٍ أخرى من الغارات العنيفة التي استهدفت المنازل والأحياء السكنية، مسفرةً عن سقوط أكثر من 500 شهيد، ثلثاهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى مئات الجرحى الذين امتلأت بهم المستشفيات المتهالكة أصلاً بسبب الحصار والقصف المستمر.

ليل غزة المشتعل: غارات متواصلة وأجساد تحت الأنقاض
لم يكن ليل غزة ليلة أمس كغيره من الليالي الدامية التي اعتادها سكان القطاع، حيث شنت طائرات الاحتلال عشرات الغارات المتتالية على مختلف أنحاء القطاع، مستخدمة قنابل ذات قدرة تدميرية هائلة، استهدفت فيها منازل المدنيين بشكل مباشر، مما أدى إلى تسويتها بالأرض على رؤوس ساكنيها.

المشاهد في شوارع غزة تصف حجم المأساة، إذ تحولت مناطق بأكملها إلى ركام، وامتلأت الشوارع بالمصابين والجثث التي لم تجد من ينتشلها بسبب كثافة القصف، فيما تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث بين الأنقاض على أمل العثور على ناجين، رغم ضعف الإمكانيات وندرة المعدات اللازمة للقيام بهذه المهمة الإنسانية الصعبة.

في إحدى الغارات العنيفة على حي الرمال، استهدفت الطائرات الإسرائيلية عمارة سكنية مكونة من عدة طوابق، مما أدى إلى انهيارها بالكامل على رؤوس ساكنيها، وسط صرخات المدنيين العالقين تحت الأنقاض واستغاثات ذويهم. وفي بيت حانون، لقيت عائلة كاملة مصرعها بعدما استهدفت غارة جوية منزلهم فجراً، بينما كانوا نياماً.

الأطفال والنساء.. الضحايا الأبرز في حرب بلا رحمة
تشير الإحصائيات الأولية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن من بين الشهداء ما يزيد عن 300 طفل وامرأة، في صورة تعكس مدى فظاعة العدوان الإسرائيلي الذي لا يفرق بين المقاتلين والمدنيين، ولا يتورع عن استهداف العُزَّل في منازلهم.

في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، امتلأت الأروقة بجثث الأطفال الذين تم انتشالهم من تحت الأنقاض، في مشاهد مؤلمة تدمي القلوب. بعضهم كانوا لا يزالون يمسكون بألعابهم الصغيرة، وكأنهم لم يدركوا أن الموت قد خطفهم قبل أن يتمكنوا من الهروب.

“استشهدوا جياعًا”.. مآسٍ تتجدد تحت القصف

وسط أروقة المستشفى التي تعج بالمصابين والدماء، جلست أم ثكلى وقد انهارت قواها تمامًا، تمسك بملابس صغيرة مغطاة بالتراب والدم، وتهمس بصوت متهدج:

“كانوا جائعين.. لم أجد ما أقدمه لهم ليتسحروا، وعدتهم أنني سأحاول تدبير شيء في الصباح، لكنهم رحلوا قبل أن يأتي الصباح.. استشهدوا وهم جياع!”

كان أطفالها الثلاثة نائمين حين سقط الصاروخ الغادر على منزلهم، لم يجدوا ما يسد جوعهم قبل أن يرحلوا عن الدنيا، ولم يبقَ منهم سوى أشلاء متناثرة وذكريات ممزقة لا تجد من يواسيها فيها.

وفي زاوية أخرى من المستشفى، وقف أب مكلوم يحتضن جثمان طفلته الصغيرة، يلفها بكفيه المرتعشتين وكأنه يحاول إعادتها للحياة، في حين أن جسدها الصغير لم يعد سوى كومة من الجراح والدماء بعد أن مزقته شظايا صواريخ الاحتلال الغاشم.

“كنت أحلم أن أراها تكبر.. كنت أريد أن أشتري لها فستانًا جديدًا في العيد.. والآن أحملها بين يدي، لكنها لا تتحرك.. لا تبتسم لي كما كانت تفعل كل صباح.. لقد أخذوها مني!”

ما بين أم ثكلى وأب منكوب، يواصل الاحتلال كتابة فصول جديدة من المجازر، بينما يكتفي العالم بالمشاهدة.

المستشفيات في غزة.. عجز في مواجهة الكارثة
تعاني مستشفيات قطاع غزة من عجز هائل في المعدات والمستلزمات الطبية، حيث تواجه الطواقم الطبية صعوبة في التعامل مع العدد الكبير من الجرحى والمصابين، في ظل نقص الأدوية وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر بسبب القصف الذي استهدف البنية التحتية.

وقد ناشدت وزارة الصحة الفلسطينية المنظمات الدولية والجهات الإنسانية بضرورة التدخل الفوري لتوفير المستلزمات الطبية الطارئة، وإنقاذ مئات المصابين الذين يتلقون العلاج في ظروف صعبة داخل المستشفيات المكدسة بالجرحى.

وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة أن القطاع الصحي على شفا الانهيار، قائلاً:
“نحن نواجه مجزرة إنسانية، عدد الإصابات يفوق قدرة المستشفيات على الاستيعاب، والمستلزمات الطبية على وشك النفاد، في حين تستمر الغارات في استهداف كل شيء، بما في ذلك سيارات الإسعاف والمراكز الطبية.”

ردود فعل دولية خجولة وسط استمرار العدوان
في الوقت الذي تتوالى فيه صور المجازر من غزة، تواصل المجتمع الدولي إصدار بيانات التنديد والإدانة، دون أي تحرك فعلي لوقف العدوان. فقد دعت عدة منظمات حقوقية إلى ضرورة إجراء تحقيق دولي في جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين في غزة، لكن على أرض الواقع، لا يزال القصف مستمراً، والمجازر تتكرر دون أي حساب أو عقاب.

على المستوى العربي، صدرت بعض بيانات الشجب والاستنكار، فيما دعا الشارع العربي إلى تحركات أكثر قوة وتأثيراً لوقف العدوان ورفع الحصار عن غزة.

أهل غزة بين الموت والتحدي: “لن نرحل مهما حصل”
رغم القصف والدمار، لا يزال أهل غزة يتمسكون بالأمل وبحقهم في الحياة. وفي حديث مع أحد سكان القطاع، يقول أبو يحيى، وهو يقف أمام منزله المدمر:

“يعتقد الاحتلال أنه بهذه الغارات سيكسر إرادتنا، لكنه لا يعلم أننا هنا باقون، هذه أرضنا، وهذه بيوتنا، وسنبنيها من جديد مهما هدموها.”

في الأسواق المدمرة، بين الأزقة التي غطاها الغبار، وفي المدارس التي تحولت إلى ملاجئ للنازحين، يثبت الغزيون أنهم أقوى من القنابل وأصلب من الدمار، يصرون على الحياة، ويواصلون صمودهم رغم أن العالم بأسره يقف متفرجاً.

نداء عاجل.. غزة تحتاج إلى العون الآن
مع استمرار العدوان واتساع رقعة الدمار، أصبح من الضروري تكثيف الجهود الإنسانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتأمين المساعدات العاجلة للأسر المشردة، والجرحى الذين يعانون في ظل شح الموارد.

✋ لا تكن مجرد متفرج، ساهم في إنقاذ الأرواح عبر حملة المؤاخاة:
تبرع الآن: https://www.madinah.com/muakha